Dilovanê Deştê
إن " النقد " مصطلح لغوي ذو مفاهيم عديدة ومتنوعة في مختلف ميادين الحياة التطبيقية. لقد تعامل معه الكثيرون من الأدباء والمفكرين والفلاسفة منذ أرسطو وحتى وقتنا الحاضر ، ولكن لم يستطيعوا أن يتفقوا
على مفهوم موحد له ، بل على العكس تماما ً فقد اختلف مفهومه من واحد لآخر وهذا ما جعله مثار جدل محير ٍ للعقول ومربك للمفكرين . رغم التعريف شبه المشترك في المجالين الأدبي والفني الذي يعرّف النقد على أنه دراسة معمقة للنص المنقود وتنسيقه وتحليله ثم تقييمه حسب مبدأين أساسيين هما جماليات النص من صور بيانية وخيال وترتيب للأفكار بحيث تخدم الهدف المنشود. أما المبدأ الثاني فيكمن في الصياغة المثلى والتركيب الأمثل بين أركان النص بغية الوصول إلى الهدف الأسمى الذي يكمن في أداء النص دوره التهذيبي على أكمل وجه . أما النقد في المجالات العلمية والتاريخية والنفسية والاجتماعية والسياسية وغيرها ، فقد اختلفت الآراء حول تعريفه ومفهومه ، ناهيك عن الاختلاف في تحديد الخصائص التي يجب أن يتحلى بها الناقد .
وبمراجعة بسيطة لما كتب عن النقد فإننا نجد الاختلاف بشكل واضح وجلي . ففي " المعجم الإغريقي الانكليزي " نجد أن كلمة " النقد CRITICISM مشتقة من الكلمة الإغريقية KRITIKOS والتي تعني : يتبين أو يدرك أو يميز " وقد استخدم الإغريقيون هذه الكلمة لتعني إعطاء التحليل أو الحكم الذي يصدره العقل مما يعني أنهم ربطوا بينها وبين قوة الملاحظة والتفسير والتأويل . كما يمكن أن تستخدم هذه الكلمة للدلالة على التعارض مع المنقود وعدم الاتفاق معه . أما في قاموس أكسفورد OXFORD فقد تم تعريف النقد على أنه " إيجاد عيوب المنقود وإظهار الأخطاء فيه " . وفي معجم المنجد يرد في مادة النقد ما يلي : " النقد : تمييز العملة وتفحصها لمعرفة جيدها من رديئها , ونقد الكلام إظهار لما فيه من محاسن وعيوب , وناقد فلانا ً أي ناقشه في الأمر " . أما المعاجم الالكترونية فقد ذهبت أبعد من ذلك وقدمت تعاريف متعددة وأحيانا ً مفاهيم مختلفة لهذه المادة . فبعضها يعرّف النقد بأنه " إطلاق الحكم على المنقود لتوضيح كافة استحقاقاته " والبعض الآخر عرّفه بتعابير أخرى مثل " إيجاد عيوب المنقود وأخطاءه وإلقاء اللوم والأحكام القاسية مع غض النظر عن محاسنه " أو أنه " تحليل المنقود بشكل موضوعي وتقييمه ثم الحكم عليه " أو أنه " الوسيلة الأنجع في دراسة المنقود وتحليله في سبيل تصحيح صياغته وإعادة بناءه وتقييم أصالته " . أما الأكثر واقعية من بين المفاهيم الواردة في الكثير من المراجع فتذهب إلى اعتبار النقد " دراسة المنقود دراسة معمقة ومفصلة ومراجعته لإظهار محاسنه وعيوبه "أو على أنه " مجموعة القواعد والأسس والمبادئ التي تنظم عمل الناقد بإطلاق الأحكام المبنية على المعرفة المسبقة شبه التامة بالمنقود " .
إن التعاريف والمفاهيم التي وردت عن ماهية النقد تبين أنه نشاط عقلي ومحاكمة تهدف إلى إظهار محاسن وعيوب طريقة فكرية أو منهج فلسفي أو أسلوب أدبي أو سلوك بشري , ويهدف إلى تصحيح الخلل وتقوية مواطن الضعف وذلك بترك الرديء والمحافظة على الجيد. وتعتمد عناصر النقد على مبدأين أساسيين هما الجمال والحقيقة اللذان يعتبر كل واحد منهما الهدف الأسمى الذي يبتغيه الناقد في دراسته. فالجمال هو الغاية القصوى التي يبتغيها الناقد عند تقييمه لعمل أدبي أو فني. أما المبدأ الثاني - الحقيقة أو الواقعية – فهو غاية الناقد في مجال التاريخ والعلوم والسلوك الإنساني . فالتقييم الجيد لابد أن يخلق واقعا ً جديدا ً أفضل . ولكن أي نقد نريده وما هي الخصائص التي يجب توفرها في كل من النقد والناقد لأداء الدور المنشود ؟
من المعروف أن النقد مصطلح أو مفهوم أكاديمي نظري له مكانة مرموقة خاصة في سلم التطور الاجتماعي ولهذا فهو ينبت في البيئة الاجتماعية الناضجة ثقافيا ً وحضاريا ً وذلك لأنه يخاطب العقول النيرة الواعية ويتجنب الخوض في مداخلات عاطفية أو مخاطبة المشاعر والأحاسيس . لأن الغاية من النقد هي – كما قلنا سابقا ً- الوقوف على مواطن الخلل والعمل على تصويبها وتقويمها للوصول إلى الأفضل قدر الإمكان . ولكن هل يمكن لأي إنسان أن يكون ناقدا ً دون ضوابط ؟ كيف يكون النقد فعالا ً وناجعا ً ؟ هل هناك خصائص معينة يجب توفرها عن المرء ليكون ناقدا ً ؟ إنها أسئلة وغيرها الكثير تتبادر إلى الذهن عند التفكير بماهية النقد ومقوماته, وهذا ما أريد أن ألقي بعض الضوء عليه في الأسطر القليلة القادمة ليكتمل مدلول النقد وتصبح ممارسته ذات فائدة .
يتطلب النقد قبل كل شيء معرفة الناقد بالمنقود معرفة شبه تامة تؤهله لأن يطلق حكمه بشكل مدروس وعن دراية لا عن جهل . وهذا يجعل الناقد حسب رأيي ملتزما ً بآداب النقد التي لا بد أن تتوفر عند تناول أي موضوع أو مادة . ولع من أهم هذه الآداب هو أن يكون النقد إيجابيا ً بناء ً ليساهم في التطور والتقدم . فالنقد الإيجابي هو الذي يقف على المنقود فيحدد سلبياته وإيجابياته بحيادية تامة ليصار إلى ترسيخ كل ما هو ايجابي وتطويره والعمل على تحديد السلبيات بغية تصحيحها وتقويمها بعيدا عن الأهواء الشخصية والمصالح الذاتية والأحكام المسبقة. فإن كون الناقد حياديا ً يجعله عادلا ً منصفا ً غير متحيز وهذا ما يعطي لنقده القوة والمصداقية ويبعده عن المجازفة والشتم والتهريج والذم . ولعل ارتباط حياديته في النقد مع الواقعية يكسب النقد مصداقية أكثر . وأعني بواقعية النقد أن يكون مجردا ً من أية فكرة مسبقة وأن يتناول المنقود آخذا ً بعين الاعتبار المرحلة الزمنية ومكان حدوث المنقود وبيئته مراعيا ً في ذلك كل الظروف المحيطة .
إن وجود الثقة والتفاهم المتبادلين بين الناقد والمنقود ميزة لا يستغنى عنها عند توجيه أي نقد . فالثقة تدفع الشخص المنقود إلى قبول النقد على أنه تقويم للخلل وتصويب للخطأ . وتتولد الثقة إذا تناول الناقد أولا ً ايجابيات المنقود وذكر محاسنه ويفضل أن يبالغ فيها إذا كانت أقل من السلبيات. وبالإضافة إلى هذا فإن النقد عندما يكون اغتيابيا ً قد ينقلب عندئذ إلى ضده فيؤدي إلى الحقد والكراهية ولهذا يجب أن يكون النقد وجها ً لوجه . ولعل من العدل أيضا ً أن يعطى المنقود الفرصة للدفاع عن نفسه فربما كان لديه من المبررات والحجج التي دفعته إلى ارتكاب مثل هذا الخطأ كالحول أعظم دون وقوع خطأ أعظم . ليس هذا فحسب وإنما أيضا يجب على الناقد أن لا يلجأ إلى النقد الذي يغضبه إن وجه له . إضافة إلى ما سبق فهناك ملاحظات لا بد من الوقوف عندها قبل توجيه النقد فلا جدوى من انتقاد الأخطاء التي أصبحت من الماضي البعيد . كما يجب على الناقد أن يقف على درجة وعي الشخص المنقود وإدراكه أولا ً ثم مقارنة الخطأ المرتكب بحالته هذه فإما أن يوجه النقد بأسلوب مهذب وكلمات غير نابية أو أن يعدل عن توجيهه . ومن جهة أخرى فإن لم يكن لدى الناقد حلولا ً ولا يتوخاها لدى الحضور فيفضل عدم توجيه النقد لأن ذلك لن يكون لتصحيح الخطأ بل لوضع المنقود في وضع حرج .
وأخيرا ً وليس آخرا ً فإن لم يكن النقد مترافقا ً مع النقد الذاتي لا يمكن أن يتمتع بالمصداقية . فكيف ينتقد شخص آخرين على عيب موجود فيه ذاته أو خطأ ارتكبه هو نفسه دون الوقوف عنده ! ولعله خير للمرء الاقتداء بقول الشافعي ( ر ), حيث يقول :
ابدأ بنفسك فانهها عن غيـّها فإذا انتهت فأنت حكيم
أو كما يقول الفيلسوف الوجودي سارتر :
" الآخر هو وسيط بيني وبين نفسي , وهو مفتاح لفهم ذاتي والإحساس بوجودي " .
Mister Wong
Digg
Del.icio.us
Slashdot
Furl
Yahoo
Technorati
Newsvine
Googlize this
Blinklist
Facebook
Wikio

