'رهائن الخطيئة' لهيثم حسين تجربة روائيّة عن جغرافيّة مهمّشة

الأحد, 31 يناير 2010 18:26 داريوس داري
Hits

من بين جميع الفنون الأدبية الحديثة يحتاج فن الرواية احتياجاً نوعياً إلى مستوى معين من التطور الاجتماعي وفق شروط اجتماعية مواتية.
والرواية كفن جميل ودقيق وحساس محبب إلى النفوس، يقوم على الكشف الداخلي لحياة الإنسان من ثم يضعها أمامه كشريط سينمائي لا يستطيع تجاهله.

في عصرنا الراهن نفتقر إلى هذه الجمالية الرائعة جمالية الرواية، حيث تقل الأعمال التي تجذب الانتباه إليها، ولذلك فإنّ أي نتاج روائي يتخطى عتبة الاعتيادي يشدنا إليه، وها هو الكاتب والروائي هيثم حسين يعوضنا عمّا فقدناه من أصول الرواية. يدخل عوالم مجهولة، يخوض فيها، يعرّف القارئ على أدقّ دقائق جغرافيّة مهمِّشة..

وهنا تكمن المفارقة حقا فالرواية هي أكثر أنواع الفنون الأدبية اتّصالاً مباشر بالناس والمجتمع، وفي رهائن الخطيئة استطاع هيثم أن يجتاز امتحان هذه الزاوية، وأن ينال تقديراً خاصّاً أيضاً.

ذلك أنّ كل واقعة من الوقائع المعروضة فيها وكل خاطرة من الخواطر المروية فيها ترتبط على الساحة الشعورية لكاتبها بوقائع التجربة الإنسانية ولكنها هنا ليست تجربة مطلقة ولا عامة.

إنها التجربة الإنسانية بتلاوين تجربة ملموسة لمعاناة شعب أخذت الحياة تعود إليه على مضض بعد طول رقاد، فالرواية تحاكي الوعي المؤطّر لهذا الشعب المحكوم ببيئته الطبيعية والاجتماعية والسياسية، تلك البيئة/ البيئات التي لا يمكن بدونها حصر التجربة الإنسانية لأبطالها في بدن رواية .

الزمان هنا محدّد بشكل واضح، إنه زماننا، زمان نهضتنا الحديثة منذ مطلع هذا القرن، والمكان كذلك مرسوم بدقة ومن السهل أن يعين الإنسان نقاطه بمجموعة من الدبابيس فوق خريطة منطقة ومدنها المعروفة.

ولقد آثر هيثم حسين لروايته أن تحمل اسم (رهائن الخطيئة) ليضع يده على الوتر الحساس، ويقول من منا لم يقترف الأخطاء والخطايا بحق هذه البيئة وناسها. ومَن منّا لم يكتوِ بنيران الخطايا التي أسرت المنطقة. سواء بسواء.

إنه الصدق مع الذات الذي يستتبع البساطة بالضرورة هو الذي لفت نظري حين قرأت الرواية للمرة الأولى وكوني متابعا لأعماله الأدبية وروايته السابقة «آرام.. سليل الأوجاع المكابرة»، أحسست بوهج حياته قبل أن يتاح لي التعرف عليه، وكنت دائماً ومن خلال مقالاته أحسّ أنه إنسان متجرّد عن العرض في سبيل الجوهر، لا استعراض في موادّه، بل اشغال بالهموم العامّة، لأنه يحمل وزر تجربة الإنسان ضمن ظروف غير مواتية لأنّ الإنسان غير المعزول عن الآخرين في داخله يختزن طاقات جبّارة..

فحين التقيت بهيثم قبل حوالي سنتين لم تفاجئني صورته الخارجية إذ لم تكن بعيدة عما توقعت وكذلك لم تفاجئني طيبة شخصيته، ذلك أنها ظاهرة في كل حرف كتابه.
هذا الفن؛ الرواية، قلائل ممن تمكنوا من متابعته والإبداع فيه، ومنهم الروائي هيثم هو الذي بدأ بالرواية والذي يملك من القدرة على الاستمرار، ولا شكّ أنّ شخصية الكاتب الإنسان هي التي تدفع المرء إلى هذا الحكم.

فهو لم يوفق في روايته الجديدة إلاّ لأنّه أولاً: يمتلك الدقة في الوصف الواقعي، تلك الدقة التي تجنح إلى الواقعية الطبيعية وكثيراً ما تحمل وجهيها غير المستساغين بالنسبة للذوق التقليديّ. وجه الصراحة الجافّة ووجه الخشونة الباعث للألم والإيلام والتشاؤم عن غير قصد، ويقتصد في استعمال الكلمات ويبتعد متعمّداً عن التأنّق الأسلوبيّ انطلاقاً من الصدق والصمت. ثانياً: لقد أصاب هيثم أهدافا كثير بهذه التكتيكات الروائية بما يمتلك من ذخيرة روائيّة حيّة وهو يسير في حقل الرواية كونه عرف كيف يستخدمها في حصاد كنوز الإمتاع.


داريوس داري

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy

التواصل معنا

للتواصل مع شبكة بيور الثقافية

Peiwar.com@gmail.com

 

القائمة الرئيسية

اقلام أدبية كردية

اقلام أدبية عربية

جديد مواضيع المنتدى

زوارنا

free counters

أستطلاع الرأي

ما رأيك بالشكل الحالي لشبكة بيور الثقافية؟




المتواجدن الأن

حاليا يتواجد 38 زوار  على الموقع

Pagreank

PageRank